عندما نكتب عن هامة من هامات الشعر العربي في العصر العباسي ، ان لم أقل في كل العصور ، فاعلموا اننا نكتب عن عملاق الشعر ابو الطيب المتنبي .
هو احمد بن الحسين الجعفي الكندي . ولد في الكوفة عام 303 للهجرة زمن الخليفة المقتدر بالله .
ظهرت عليه امارات الشعر باكرا حيث انشد اول ابيات منه وعمره تسع سنوات !
برع في المديح :
لكل امريء من دهره ما تعودا
وعادة سيف الدولة الطعن بالعدا
والفخر :
واذا اتتك مذمتي من ناقص
فهي الشهادة لي باني كامل
والهجاء :
لا تشتر العبد الا والعصا معه
ان العبيد لانجاس مناكيد
وفي الغزل :
لا السيف يفعل بي ما انتِ فاعلة
ولا لقاء عدوي مثل لقياكِ
لو بات سهم من الاعداء في كبدي
ما نال مني ما نالته عيناكِ
وسبر اغوار النفس البشرية :
والظلم من شيم النفوس فان
تجد ذا عفة فلعلة لا تظلم
وقارع الامام الشافعي في الحكم :
اذا انت اكرمت الكريم ملكته
وان انت اكرمت اللئيم تمردا
لقب ب " المتنبي " اي المتعالي والمرتفع لانه كان فخورا جدا بنفسه مغرورا متعاليا :
اي محل ارتقي واي عظيم اتقي
وكل ما خلق الله وما لم يخلق
محتقر في همتي كشعرة في مفرقي
وقيل لقب ب " المتنبي " لانه ادعى النبوة فسجنه الوالي حتى تراجع عن ادعائه :
وما مقامي بارض نخلة
الا كمقام المسيح بين اليهود
في هذه الفترة بدأت هيبة الدولة العباسية بالافول ليحل محلها الدويلات والاضطرابات والثورات التي خربت البلاد وفككتها . فتلاشى نفوذ الخليفة العباسي امام الوزراء وقادة الجند واصبح وجوده شكليا يدعون له على المنابر ليس الا .
شبّ المتنبي وسط تلك الاجواء المؤلمة وهو العربي الاصيل ، فآثر الذهاب الى حلب حيث الامارة العربية القوية وكان عمره 33 عاما نفس عمر اميرها سيف الدولة الحمداني .
اعجب كل منهما بالآخر . مدحه المتنبي جالسا متميزا عن اقرانه من الشعراء الذين كانوا يمدحونه وقوفا بين يديه ، وذلك بموافقة سيف الدولة الذي قربه منه واغدق له العطايا ، ورافقه في عدد من المعارك :
على قدر اهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها
وتصغر في عين العظيم العظائم
وقفت وما في الموت شك لواقف
كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الابطال كلمى حزينه
ووجهك وضاح وثغرك باسم
بناها فأعلى والقنا فوق القنا
وموج المنايا حولها متلاطم
وكعادة النابغين دوما ان يعانوا من الحساد والوشاة ، عانى المتنبي منهم حتى نجحوا في فك اواصر المودة بينه وبين سيف الدولة . فقد كان يمدح نفسه اكثر من مدح الامير . لفتوا نظر سيف الدولة الى ذلك واوغروا صدره عليه واكدوا له انه يمدحه تزلفا طمعا بولاية وليس حبا به ! ومما زاد من نفور الامير ان المتنبي اتُهم بحب اخته " خولة " ، فلما ماتت رثاها في قصيدة ذكر فيها مبسمها ، وهذا ما لا يرضاه الملوك عند رثاء احد من نسائهم .
وحصل ان رمى مرة ابن خالويه المتنبى بدواة المحبرة في حضرة سيف الدولة الذي لم يحرك ساكنا ! فهم المتنبي ان الحساد قد نجحوا في مبتغاهم فغادر ممتعضا الى مصر ، بعد ان امضى برفقة الامير العربي تسع سنوات ونصف . غادر وكل منهما يضمر الحب والمودة للآخر :
يا اعدل الناس الا في معاملتي
فيك الخصام وانت الخصم والحكم
اعيذها نظرات منك صادقة
ان ترى الشحم فيمن شحمه ورم
انا الذي نظر الاعمى الى ادبي
واسمعت كلماتي من به صمم
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
انام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جراها ويختصم
ما ابعد العيب والنقصان عن شرفي
انا الثريا وذان الشيب والهرم
قصد كافور الاخشيدي في مصر طمعا بولاية ، فقد كان يتمنى ان يحظى بأي امارة ، وهذا حلمه الذي سعى جاهدا الى تحقيقه . مدحه مرارا ولمح له برغبته :
وهل نافعي ان ترفع الحجب بيننا
ودون الذي املت منك حجاب
وفي النفس حاجات وفيك فطانة
سكوتي بيان عندها وجواب
رفض كافور الاخشيدي تحقيق مرامه ، فغادر المتنبي مصر يوم عيد وهجاه هجاء مرا :
عيد بأية حال عدت يا عيد
بما مضى ام لأمر فيك تجديد
اما الاحبة فالبيداء دونهم
فليت دونك بيدا دونها بيد
جود الرجال من الايدي وجودهم
من اللسان فلا كانوا ولا الجود
ما يقبض الموت نفسا من نفوسهم
الا وفي يده من نتنها عود
من علم الاسود المخصي مكرمة
اقومه البيض ام اسياده الصيد
نامت نواطير مصر عن ثعالبها
فقد بشمن وما تفنى العناقيد
وخلال عودته الى الكوفة لقيه فاتك بن ابي جهل الاسدي خال " ضبة " الذي هجاه المتنبي فيما مضى :
ما انصف القوم ضبة
وامه الطر طبة
وانما قلت ما قلت
رحمة لا محبة
فهجم ورجاله عليه ، وكان معه ابنه محمد وخادمه مفلح . ادرك بان المعركة خاسرة ففر هاربا ، هنا التفت اليه خادمه وقال له : اتفر وانت القائل :
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم ؟
قال له المتنبي : ويحك قتلتني !
فعاد وقاتل حتى قتل وولده وخادمه ، وكان هذا عام 354 للهجرة عن عمر يناهز الخمسين عاما ، في عهد الخليفة العباسي المطيع لله .
وتشهد دير عاقولة غربي بغداد مصرع عبقري بخل عليه الدهر بكرسي ولاية ليبوئه بعد موته سدة الخلود في عالم الشعر والادب .
محمد جمال الغلاييني
هو احمد بن الحسين الجعفي الكندي . ولد في الكوفة عام 303 للهجرة زمن الخليفة المقتدر بالله .
ظهرت عليه امارات الشعر باكرا حيث انشد اول ابيات منه وعمره تسع سنوات !
برع في المديح :
لكل امريء من دهره ما تعودا
وعادة سيف الدولة الطعن بالعدا
والفخر :
واذا اتتك مذمتي من ناقص
فهي الشهادة لي باني كامل
والهجاء :
لا تشتر العبد الا والعصا معه
ان العبيد لانجاس مناكيد
وفي الغزل :
لا السيف يفعل بي ما انتِ فاعلة
ولا لقاء عدوي مثل لقياكِ
لو بات سهم من الاعداء في كبدي
ما نال مني ما نالته عيناكِ
وسبر اغوار النفس البشرية :
والظلم من شيم النفوس فان
تجد ذا عفة فلعلة لا تظلم
وقارع الامام الشافعي في الحكم :
اذا انت اكرمت الكريم ملكته
وان انت اكرمت اللئيم تمردا
لقب ب " المتنبي " اي المتعالي والمرتفع لانه كان فخورا جدا بنفسه مغرورا متعاليا :
اي محل ارتقي واي عظيم اتقي
وكل ما خلق الله وما لم يخلق
محتقر في همتي كشعرة في مفرقي
وقيل لقب ب " المتنبي " لانه ادعى النبوة فسجنه الوالي حتى تراجع عن ادعائه :
وما مقامي بارض نخلة
الا كمقام المسيح بين اليهود
في هذه الفترة بدأت هيبة الدولة العباسية بالافول ليحل محلها الدويلات والاضطرابات والثورات التي خربت البلاد وفككتها . فتلاشى نفوذ الخليفة العباسي امام الوزراء وقادة الجند واصبح وجوده شكليا يدعون له على المنابر ليس الا .
شبّ المتنبي وسط تلك الاجواء المؤلمة وهو العربي الاصيل ، فآثر الذهاب الى حلب حيث الامارة العربية القوية وكان عمره 33 عاما نفس عمر اميرها سيف الدولة الحمداني .
اعجب كل منهما بالآخر . مدحه المتنبي جالسا متميزا عن اقرانه من الشعراء الذين كانوا يمدحونه وقوفا بين يديه ، وذلك بموافقة سيف الدولة الذي قربه منه واغدق له العطايا ، ورافقه في عدد من المعارك :
على قدر اهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها
وتصغر في عين العظيم العظائم
وقفت وما في الموت شك لواقف
كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الابطال كلمى حزينه
ووجهك وضاح وثغرك باسم
بناها فأعلى والقنا فوق القنا
وموج المنايا حولها متلاطم
وكعادة النابغين دوما ان يعانوا من الحساد والوشاة ، عانى المتنبي منهم حتى نجحوا في فك اواصر المودة بينه وبين سيف الدولة . فقد كان يمدح نفسه اكثر من مدح الامير . لفتوا نظر سيف الدولة الى ذلك واوغروا صدره عليه واكدوا له انه يمدحه تزلفا طمعا بولاية وليس حبا به ! ومما زاد من نفور الامير ان المتنبي اتُهم بحب اخته " خولة " ، فلما ماتت رثاها في قصيدة ذكر فيها مبسمها ، وهذا ما لا يرضاه الملوك عند رثاء احد من نسائهم .
وحصل ان رمى مرة ابن خالويه المتنبى بدواة المحبرة في حضرة سيف الدولة الذي لم يحرك ساكنا ! فهم المتنبي ان الحساد قد نجحوا في مبتغاهم فغادر ممتعضا الى مصر ، بعد ان امضى برفقة الامير العربي تسع سنوات ونصف . غادر وكل منهما يضمر الحب والمودة للآخر :
يا اعدل الناس الا في معاملتي
فيك الخصام وانت الخصم والحكم
اعيذها نظرات منك صادقة
ان ترى الشحم فيمن شحمه ورم
انا الذي نظر الاعمى الى ادبي
واسمعت كلماتي من به صمم
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
انام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جراها ويختصم
ما ابعد العيب والنقصان عن شرفي
انا الثريا وذان الشيب والهرم
قصد كافور الاخشيدي في مصر طمعا بولاية ، فقد كان يتمنى ان يحظى بأي امارة ، وهذا حلمه الذي سعى جاهدا الى تحقيقه . مدحه مرارا ولمح له برغبته :
وهل نافعي ان ترفع الحجب بيننا
ودون الذي املت منك حجاب
وفي النفس حاجات وفيك فطانة
سكوتي بيان عندها وجواب
رفض كافور الاخشيدي تحقيق مرامه ، فغادر المتنبي مصر يوم عيد وهجاه هجاء مرا :
عيد بأية حال عدت يا عيد
بما مضى ام لأمر فيك تجديد
اما الاحبة فالبيداء دونهم
فليت دونك بيدا دونها بيد
جود الرجال من الايدي وجودهم
من اللسان فلا كانوا ولا الجود
ما يقبض الموت نفسا من نفوسهم
الا وفي يده من نتنها عود
من علم الاسود المخصي مكرمة
اقومه البيض ام اسياده الصيد
نامت نواطير مصر عن ثعالبها
فقد بشمن وما تفنى العناقيد
وخلال عودته الى الكوفة لقيه فاتك بن ابي جهل الاسدي خال " ضبة " الذي هجاه المتنبي فيما مضى :
ما انصف القوم ضبة
وامه الطر طبة
وانما قلت ما قلت
رحمة لا محبة
فهجم ورجاله عليه ، وكان معه ابنه محمد وخادمه مفلح . ادرك بان المعركة خاسرة ففر هاربا ، هنا التفت اليه خادمه وقال له : اتفر وانت القائل :
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم ؟
قال له المتنبي : ويحك قتلتني !
فعاد وقاتل حتى قتل وولده وخادمه ، وكان هذا عام 354 للهجرة عن عمر يناهز الخمسين عاما ، في عهد الخليفة العباسي المطيع لله .
وتشهد دير عاقولة غربي بغداد مصرع عبقري بخل عليه الدهر بكرسي ولاية ليبوئه بعد موته سدة الخلود في عالم الشعر والادب .
محمد جمال الغلاييني

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق