الخميس، 8 نوفمبر 2018

كلمة الى المغادرين الشرفاء ... بقلم الأديب محمد جمال الغلاييني

تعقيبا على مقال الاستاذة Taghreed Al-Hajj حول الاجتياح الاسرائيلي لبيروت ورحيل المقاومة الفلسطينية . فقد كتبت حينها مقالا في جريدة اللواء بعنوان :

كلمة الى المغادرين الشرفاء

اسمحوا لي ايها المقاتلون الشرفاء المغادرون لتلك الارض الطيبة التي احتضنتكم خير احتضان ان اتوجه اليكم بهذه الكلمة المنبعثة من صميم فؤادي الجريح مسربلة بدموع الفراق الحزينة :
نفتقدكم افتقاد الاخ لاخيه المحب والصديق لصديقه الوفي .
لم نكن ندري ان حبنا لكم ولقضيتكم العادلة قد ارتقى اسمى المراتب في قلوبنا ، ولم نكن نشعر بعمق محبتنا هذه الا ساعة  الفراق التي تبرز عندها خيوط المحبة الصادقة لتذيب القلب الذي اسبل عليكم ستر رعايته ، وتهز الكيان الذي تقاسم واياكم لقمة العيش الذكية وشارككم حلو الحياة ومرها .
نقولها بصراحة دون تزلف ، اننا نحبكم حبا كبيرا يفوق الوصف ، فماساتكم غرست فينا بذور المحبة الشريفة والاخوة الحقة والتي ما ادركنا عمقها الا تلك اللحظة ، لحظة الوداع التي يضل فيها اللقاء سبيله بين شوارعها الحالكة ، وتتكسر عندها كلمات الحزن على الشفاه المرتجفة ، وتتدحرج حينها دموع المحبة على وجنات المودعين ، لتصب جميعها في بوتقة واحدة ، بوتقة الحزن المرير الذي لا يبدد غيومه الداكنة سوى اللقاء السرمدي للاحبة .
لقد كانت مشاهد رحيلكم ايها المقاتلون الشرفاء مؤثرة للغاية . هذا يودع طفله الوحيد مداعبا خصيلات شعره مقبلا وجنتيه الناعمتين ، تعلوه ابتسامة واهية تعكس مرارة قلب اب ينبض بالحب والحنان لحظة فراق فلذة كبده . وذاك يودع زوجه رفيقة دربه ببكاء شديد يفتت الصخر ويصدع الجبال .
هذا يودع اهله واقاربه بالقاء النظرة الاخيرة عليهم رافعا شارة النصر التي تمنحه الامل الوحيد بالعودة والتحرير ولقاء الاحبة . وذاك يودعهم بصمت مطبق ينم عن سهم دفين اخترق قلبه مسيلا دماءه القانية ، التي لا يدرك الم اراقتها الا اصحاب القلوب الرقيقة .
هذا يقبل اصدقاءه ورفاق دربه مودعا شادا على اياديهم بقوة الارادة التي لا تقهر ، متحملا جراح الرحيل بصمت ووجوم . وذاك يودعهم بدموع منهمرة خذلت قواه في تلك اللحظة التي تتكسر عندها صخور الصمت محولة اياها الى حبات دمع تتسلل عبر المآقي ، فاضحة الالم المعتلج في الاعماق .
نحبكم ونحب الانامل التي ستظل مشدودة على الزناد ، متأهبة لاطلاق النار على الغزاة المجرمين الذين اقترفوا ابشع الجرائم بوحشية من صنع " الحضارة الغربية " ، وعلى عرب التخاذل والخيانة الذين ساهموا في هذه المجازر البربرية بصمتهم او كلامهم الفارغ المعبر عن رؤوسهم الجوفاء وكرامتهم الزائلة .
نحبكم ايها المقاتلون الشرفاء الذين سطرتم بدمائكم الزكية اسمى آيات البطولة والفداء ، في الوقت الذي سطرت فيه الحكام والشعوب العربية ادنى آيات الخيانة والعمالة والتخاذل بكلام مزخرف وجمل منمقة لا تسمن ولا تغني من جوع :
نؤيدكم - نحيي صمودكم - نبارك ثورتكم - نستنكر الذي يحدث في لبنان - سنتصدى بكل الوسائل - لن نسمح لاسرائيل بالتنزه في لبنان - ساقود بنفسي الجيوش لفك الحصار عن بيروت ...
نحبكم لانكم القلة الباقية من الشعوب العربية التي ما زالت وفية للمباديء التي آمنت بها ودافعت عنها بكل انفة وعزة وكرامة لم نشهد مثيلها عند ما يسمى بالاشقاء العرب  !
نحبكم ايها المقاتلون الشرفاء ، وما وداع الناس لكم  في كل حي وشارع ومن على الشرفات والارصفة  ، ونثر الارز  وذرف الدموع الا خير شاهد على صدق ما اقول .. حتى الناس الذين كانوا يتذمرون من وجودكم وتجاوزات البعض منكم ذرفوا الدموع لحظة مغادرتكم  وكأنكم قطعة من قلوبهم عزت عليهم  فقدها .
ايها المقاتلون الشرفاء : قبل ان اختم كلمتي هذه يخالجني رجاء خاص وهو ان لا تنسوا من قتل ابناءكم وشرد اطفالكم ودمر بيوتكم وسلب ارضكم . ولا تنسوا ايضا من تركوكم تذبحون وتقتلون وتشردون وحدكم وهم يتفرجون عليكم  من ابراجهم وقصورهم منتظرين الساعة التي يعلن فيها نبأ موتكم وانتهاء قضيتكم المقدسة .
الطريق شاق والدرب طويل .. قلوبنا معكم  وارواحنا فداء لفلسطين وشعبها الكريم .. نحن معكم اينما كنتم نؤازركم ونناصر قضيتكم مهما كلفنا ذلك من تضحيات ..
وعلى امل التحرير واللقاء على ارض فلسطين الطاهرة اترككم الآن مودعا .. والله معكم .

محمد جمال الغلاييني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق