الجمعة، 8 فبراير 2019

كنوز الأدب ... بقلم الأديب محمد جمال الغلاييني

اذا اردنا ان نذكر شاعرا عباسيا مميزا من حيث الرقي والاصالة فما علينا الا ان نذكر ابا تمام .
اسمه حبيب بن أوس بن الحارث الطائي . ولد في قرية جاسم من قرى حوران بسوريا عام 188 للهجرة في خلافة هارون الرشيد . رحل الى مصر طلبا للعلم في مسجد عمرو بن العاص الذي كان مركزا مهما للتفقه في الدين وسائر العلوم ، وعمل في سقاية الماء تكسبا . برع في نظم الشعر باكرا . سمع بشعره  المعتصم فارسل في طلبه واسكنه ببغداد وقربه منه و اجزل له العطايا وولاه على بريد الموصل ؛ فمدحه ابو تمام مدحا فريدا مركزا على بطولاته سيما في فتح عمورية .
تميز بسمرة البشرة وطول القامة وبشاشة الوجه . كان فصيحا في كلامه اجش الصوت ، يتمتع بالظرافة والسماحة .
اعتبره ابو العلاء المعري من اهم ثلاثة شعراء وهم البحتري والمتنبي وابو تمام ، ونعته بالحكيم .
اراد المعتصم فتح حصن عمورية الرومي الحصين . فاخبره المنجمون باستحالة ذلك لان النجوم اخبرتهم بان جيشه سوف يفنى عن بكرة ابيه ! لم يابه لهم وارسل جيشا مقداما وفتح عمورية وانتصر على الروم انتصارا مدويا . وقد خلد ابو تمام تلك الواقعة بقصيدة عصماء ومما جاء فيها :
السيف اصدق انباء من الكتب
   في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف
   في متونهن جلاء الشك والريب
اين الرواية بل اين النجوم وما
    صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
وخوفوا الناس من دهياء مظلمة
   اذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب
فتح الفتوح تعالى ان يحيط بها
    نظم من الشعر او نثر من الخطب

تمتع بدماثة الاخلاق وطيب المعشر ، وحث على التحلي بالمكارم والفضائل :
من لي بانسان اذا اغضبته
  وجهلت كان الحلم جوابه
واذا صبوت الى المدام شربت
  من اخلاقه وسكرت من آدابه
وتراه يصغي للحديث بطرفه
   و بقلبه و لعله ادرى به

وله في الغزل وحب الديار كلام لو وزن بالذهب لرجحه :
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى
  ما الحب الا للحبيب الأول
كم منزل في الارض يألفه الفتى
  وحنينه ابدا لأول منزل

وبرأيي المتواضع انه لو لم يقل سواهما لكفتاه !

لم يمهله القدر كثيرا فاختاره باكرا عن عمر يناهز 43 . فقد اكرمه المعتصم ايما اكرام وعينه واليا على بريد الموصل وما لبث ان مات بعد ذلك التعيين بسنتين عام 231 للهجرة ، ودفن في الموصل .

مات ابو تمام كغيره من الكبار في عمر مبكر ولكن آثاره الثمينة ومناقبه الحميدة ظلت على قيد الحياة الى يومنا ؛ وسيخلدها تاريخ الشعر والادب الى ان يرث الله الارض ومن عليها .

محمد جمال الغلاييني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق